الشيخ محمد رشيد رضا
49
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) وقوله تعالى ( 54 : 52 وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 53 ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) وإذا كان هذا صريحا في القرآن فهل يعقل ان يصح عن ابن عباس إنكاره ؟ لا ، بل روى عبد الرزاق عنه انه قيل له هل الكبائر سبع ؟ فقال هي إلى السبعين أقرب ، وروى ابن جبير أنه قال هي إلى السبع مئة أقرب . وانما عزي القول بانكار تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر إلى الأشعرية وكأن القائلين بذلك منهم أرادوا ان يخالفوا به المعتزلة ولو بالتأويل كما يعلم من كلام ابن فورك فإنه صحح كلام الأشعرية وقال « معاصي اللّه كلها كبائر وانما يقال لبعضها صغيرة وكبيرة بالإضافة وقالت المعتزلة الذنوب على ضربين صغائر وكبائر وهذا ليس بصحيح » اه وأول الآية تأويلا بعيدا وهل يؤوّل سائر الآيات والأحاديث لأجل ان يخالف المعتزلة ولو فيما أصابوا فيه ؟ لا يبعد ذلك فان التعصب للمذاهب هو الذي صرف كثيرا من العلماء الأذكياء عن إفادة أنفسهم وأمتهم بفطنتهم وجعل كتبهم فتنة للمسلمين اشتغلوا بالجدل فيها عن حقيقة الدين . وسترى ما ينقله الرازي عن الغزالي ويرده لأجل ذلك واين الرازي من الغزالي واين معاوية من علي ! والموافقون للمعتزلة من محققي الأشاعرة وغيرهم اختلفوا في تعريف الكبيرة فقيل هي كل معصية أوجبت الحد وقيل ما نص الكتاب على تحريمه ووجب في جنسه حد وقيل كل محرم لعينه أي لا لعارض أو لا لسد الذريعة ، وضعفوا هذه الأقوال وأقوالا أخرى كثيرة . وقال بعض العلماء ان الكبائر كل ما توعد اللّه عليه قيل في القرآن فقط وقيل وفي الحديث أيضا ، وقال بعضهم كامام الحرمين والغزالي واستحسنه الرازي إنها كل ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكثرات به وهو قول مقبول قريب من المعقول . والمختلفون في تعريفها متفقون على القول بأن هناك صغيرة وكبيرة وان ترك الكبائر يكفر الصغائر . وقال بعضهم ان اللّه تعالى أبهم الكبائر لتجتنب كل المعاصي فان من عرضت له كل معصية لم يعلم أنها من الكبائر التي يعاقب عليها أو من الصغائر التي يكفرها اللّه عنه بترك الكبائر فالاحتياط يقضي عليه بأن يجتنبها . ولا يظهر فرق